بقلم دكتورة مريم علام.. مصر بعد ال10 مساءً: بين القرار والتطبيق
لم تعد الساعة العاشرة مساءً مجرد رقم في يوم المصريين، بل تحولت في الأيام الأخيرة إلى نقطة فاصلة بين نمطين من الحياة، ما قبلها حيث الحركة والضجيج، وما بعدها حيث الهدوء المفاجئ والظلام الذي يخييم على الشوارع.
مع قرارات ترشيد استهلاك الكهرباء والغلق المبكر، بدا المشهد وكأن مصر تعيد رسم إيقاعها اليومي، لكن هذا التغيير السريع لم يمر دون تساؤلات، وربما دون تكلفة يتحملها البعض أكثر من غيرهم.
في الظاهر، تبدو الشوارع أكثر هدوءا، والمحال تغلق أبوابها في مواعيد محددة، والمقاهي التي كانت تعج بالزبائن حتى ساعات متأخرة أصبحت تطفئ أنوارها مبكرًا. لكن خلف هذا الهدوء، تختبئ حكايات يومية لأصحاب محلات اضطروا لتقليص ساعات عملهم، وموظفين لم يعد لديهم الوقت الكافي لقضاء احتياجاتهم، وعائلات تغيّرت عاداتها بشكل مفاجئ.
لقرار في جوهره يحمل هدفًا نبيلا مشروعًا وهو ترشيد الاستهلاك في ظل تحديات اقتصادية وضغوط على موارد الطاقة، غير أن الفجوة بين القرار وتطبيقه على أرض الواقع تفتح باب للنقاش. فهل طبق الغلق المبكر بنفس المعايير في كل المناطق؟
وهل أُخذت طبيعة الأنشطة المختلفة في الاعتبار؟ أم أن التنفيذ جاء عاما، لا يفرق بين حي سكني وآخر أو نشاط وآخر؟
هنا تظهر الإشكالية الحقيقية.. ليس في مبدأ الترشيد ذاته، بل في كيفية تحقيقه دون الإخلال بتوازن الحياة اليومية.
وربما يكشف هذا المشهد عن سؤال أعمق يتبادر في اذهاننا جميعا ..هل نحن أمام إجراء مؤقت تفرضه الظروف، أم بداية لتغيير طويل المدى في شكل الحياة داخل المدن المصرية؟ وهل يمكن تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة تنظيم الاستهلاك بشكل أكثر وعيًا وعدالة؟!
رغم ما يحيط بهذه القرارات من جدل وانتقادات، لا يمكن إغفال جانبها الإيجابي، خاصة إذا نظر إليها باعتبارها خطوة ضرورية في مسار طويل نحو ترشيد الاستهلاك وإعادة ترتيب الأولويات. فالدولة في نهاية المطاف، تسعى إلى تجنب سيناريوهات أكثر صعوبة، قد يكون فيها انقطاع الكهرباء أو أزمات أكبر تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
من هذا المنطلق، قد تمثل هذه الإجراءات فرصة حقيقية لإعادة التفكير في أنماط الاستهلاك اليومية، ليس فقط على مستوى المؤسسات، بل داخل كل بيت. فترشيد الكهرباء لا يعني الحرمان، بقدر ما يعني الاستخدام الواعي للموارد، وتجنب الهدر الذي أصبح جزءًا من العادات اليومية دون انتباه.
ومن جانبنا نرى البحث عن مسارًات أكثر استدامة تتمثل في التوسع في الاستثمار في الطاقة البديلة، باعتبارها حلا جذريًا يتجاوز الحلول المؤقتة. ويؤكد خبراء الطاقة أن الاعتماد على مصادر مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لم يعد رفاهية، بل ضرورة تفرضها التحديات الحاليةحيث أن مصر تمتلك مقومات طبيعية قوية تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا في هذا المجال.
في النهاية، لا ينجح أي قرار دون وعي مجتمعي حقيقي يدعمه. فالمواطن ليس مجرد متلقي للقرارات، بل شريك أساسي في نجاحها. وبين القبول والمشاركة تبقى القدرة على التغيير هي العامل الحاسم في تحويل الأزمات إلى بداية جديدة أكثر توازنا واستدامة..
















