بقلم الدكتور أحمد صفوت السنباطي بمحكمة النقض: النفط والسلاح والحدود ثلاثية التحكم في المشهد الليبي

الأزمة واستعصاء الحل، النفط، والسلاح، والحدود، هذه العوامل لم تعد فقط أدوات للصراع، بل أصبحت عناصر أساسية في إعادة تشكيل موازين القوى وتحديد هوية الدولة الليبية ومصيرها في المدى المنظور.
منذ انهيار النظام السابق، تحوّل النفط من مصدر وطني للثروة إلى نقطة نزاع رئيسية بين الأطراف المتصارعة، في ظل غياب سلطة مركزية قوية، أصبحت الموانئ النفطية ومواقع الإنتاج أهدافاً للصراع العسكري والسياسي، ووسائل للضغط والمساومة، يسيطر كل طرف على جزء من الثروة النفطية ويستخدمها كورقة تفاوض في المحافل الدولية، أو كوسيلة لتمويل تحركاته العسكرية، كما أصبح التدخل الخارجي في ليبيا مرتبطاً بشكل مباشر بمواقع إنتاج النفط، حيث تسعى بعض القوى الإقليمية والدولية لضمان مصالحها عبر دعم أطراف محلية تتيح لها الوصول أو التأثير في هذه الموارد الحيوية.
أما السلاح، فهو العمود الفقري للفوضى المستمرة، انتشار السلاح خارج إطار الدولة بلغ مستويات غير مسبوقة، بحيث أصبحت الميليشيات والكيانات المسلحة تفرض واقعاً على الأرض يفوق أحياناً قدرة المؤسسات الرسمية، عمليات تهريب الأسلحة لم تتوقف، بل تطورت بفعل شبكات إقليمية عابرة للحدود، وغضّ الطرف من بعض القوى الدولية التي ترى ان المشهد الليبي في عام 2025 يمر بمرحلة دقيقة تتشابك فيها العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، ويبرز في قلب هذه المرحلة ثلاثية تتحكم إلى حد كبير في مسار استمرار الفوضى مصلحة استراتيجية، التوازن بين القوى المسلحة أصبح هشاً ومتقلباً، وكل محاولة لنزع السلاح تصطدم بغياب الضمانات الأمنية والانقسامات السياسية العميقة.
تأتي الحدود، وهي الحلقة الثالثة في هذه المعادلة، لتضيف تعقيداً إضافياً، فليبيا تمتلك حدوداً مترامية الأطراف مع عدد من الدول الإفريقية، وتشهد هذه المناطق هشاشة أمنية واضحة، ما جعلها معبراً للهجرة غير الشرعية، وتجارة البشر، وتهريب الوقود والسلاح، حيث ان الجنوب الليبي تحديداً أصبح منطقة خارجة عن سيطرة الدولة، تتحرك فيها قوى محلية ومسلحة بتنسيق جزئي مع جماعات عابرة للحدود، ما يجعل من ضبط الحدود أمراً بالغ الصعوبة، هذا الوضع جذب تدخلات إقليمية إضافية، لا سيما من دول الجوار التي تخشى انتقال الفوضى إلى داخلها.
في ظل هذه الثلاثية، يبدو أن الحلول المطروحة حتى الآن لا تمس جوهر الأزمة،المبادرات السياسية تصطدم بواقع ميداني تفرضه السلاح، وموارد النفط لا تُدار بما يخدم وحدة الدولة بل تُقسَّم على أسس جغرافية ومصلحية، فيما تبقى الحدود المفتوحة مصدر تهديد مستمر يصعّب أي محاولة لبناء دولة قوية إن استمرار هذا الواقع يُبقي ليبيا في دائرة مفرغة من الفوضى المؤسسية والاضطراب الأمني، ويُطيل من عمر الأزمة بدل أن يقصّرها.
يبقى الأمل معقوداً على توافر إرادة محلية حقيقية لتفكيك هذه المعادلات، وإعادة تعريف العلاقة بين الثروة والسلاح والسيادة، كما أن المجتمع الدولي مدعو إلى التحول من دور المراقب أو المتدخل بشكل انتقائي، إلى شريك فعّال في دعم مسار جامع لنزع السلاح، وتوزيع عادل للثروات، وضبط الحدود بما يضمن استقرار ليبيا ويعيد لها دورها الطبيعي في محيطها الإقليمي والدولي.